نافذة نفتحها للقراء لتقديم أفكار للنقاش، نأخذ في كل مرة إحداها و نطلب منهم المشاركة بأفكارهم حول موضوعها

"Il n’est de justice que dans la vérité. Il n’est de bonheur que dans la justice". Emile Zola
ـ في 25/11/2009 أمرت السلطات الموريتانية بتعليق عمليات بيع تجهيزات شركة الخطوط الجوية الموريتانية (تحت التصفية ) بعد المصادقة على إنشاء شركة وطنية جديدة للطيران وسط حديث عن لجوء الدولة إلى شراكة مع إحدى الدول المغاربية من أجل توفير الدعم المالي اللازم لانطلاقة قوية.
ـ بروكسل - 23 - 11 2010 (كونا) "اعتمدت المفوضية الأوروبية هنا اليوم التحديث السادس عشر لقائمة شركات الطيران المحظورة في الاتحاد الأوروبي وأعلنت في بيان، حظر جميع شركات النقل الجوي المعتمدة في أفغانستان وكذلك الخطوط الجوية الموريتانية..
كما تم فرض حظر على الخطوط الجوية الموريتانية و أي شركة طيران أخرى معتمدة في موريتانيا نظرا لاستمرار أوجه القصور المتعلقة بعمليات الصيانة والتي تم تحديدها أثناء عمليات تفتيش نفذت في مطارات دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي".
و تعيلقا على قرار الحظر أكد المفوض الأوروبي للنقل سيم كالاس انه لا يمكن تقديم تنازلات بشأن السلامة الجوية مشيرا إلى أن المفوضية الأوروبية اتخذت مثل هذا القرار لضمان أن لا تكون هناك مخاطر أثناء التنقل الجوي.
وذكر كالاس أن لدى المفوضية الأوروبية أدلة على أن شركات النقل الجوي المحظورة ليست آمنة حيث فشلت السلطات التنظيمية فيها بتطبيق معايير السلامة.
و قد سبق لموريتانيا أن اشترت ثلاث طائرات مستعملة إحداها من السنغال في صفقتين ترتب عليهما الكثير من المشاكل :
1 ـ أولا الطائرات مستعملة و من نوع قديم
2 ـ تقوم شركات النقل في العالم (حتى الكبيرة جدا) بتأجير الطائرات لتتم صيانتها و استبدالها من المؤجر متى شاءت أما هذه الطائرات فلن تعمل إلا لفترة وجيزة لتخرج من الخدمة و تصبح الدولة مجبرة على شراء طائرات مستعملة أخرى بأسعار باهظة لفترات قصيرة أخرى و هي مسالة تطرح عدة تساؤلات كبيرة؟
3 ـ كانت حالة الطائرات السيئة ضمن أسباب منع الطيران الموريتاني دخول أوروبا.
4 ـ الطائرة التي تم شراؤها من السنغال سبق لها أن انزلقت على مدرج و تم إيقافها عن الرحلات و ظلت في باريس حتى اشترتها موريتانيا، فما معنى توقيفها في باريس و ما معنى شراء موريتانيا لها؟ :
ـ أولا يتم فحص ما يسمى في المجال (تشيكينغ) و صيانة الطائرة على مراحل أربعة :
1 ـ مرحلة "ا"، بعد 4 أشهر تقريبا
2 ـ مرحلة "ب"، بعد السنة الأولى
3 ـ مرحلة "ج" بعد عدة سنوات ( حسب عدد ساعات الطيران)
4 ـ مرحلة "د" (الأخيرة) بعد فترة طيران أخرى و يتم فيها استبدال كل شي (صيانة عامة)
و يمنع على أي طائرة انزلقت عن مدرج أن تمارس الطيران قبل أن تخضع لصيانة خاصة أكثر تعقيدا و صرامة من الحالات الأربعة السالفة الذكر و هو ما لم يتم في حالة الطائرة التي تم شراؤها من السنغال (....) و هو ما يطرح عددا آخر من التساؤلات : هل كانت الشركة على علم من قصة الطائرة السنغالية؟ ( وهي جريمة لا شك)
هل كانت على علم و كانت تنوي استعمالها ؟ (و هي جريمة أكبر)
هل تم خداعها في الصفقة؟ (و هو تقصير خطير و إخفاؤه جريمة)
و ماذا ستفعل الشركة بهذه الطائرة التي يعتبر ثمنها مبلغا فلكيا؟
ـ و كان خبير أمن المطارات الموريتاني الشيخ سيديا جوب (مدير الأمن سابقا في الوكالة الوطنية للطيران المدني في موريتانيا) قد قال في مقابلة مع صحيفة "لوكوتيديان دو نواكشوط" (يناير 2010) ، إن مطار نواكشوط الدولي هو أحد "أكثر المطارات المغاربية هشاشة" من حيث الإجراءات الأمنية و يفتقر إلى بعض التجهيزات الضرورية لدرجة تتسبب في أخطاء في المعلومات نتيجة لنوعية الصور الملتقطة بالأشعة، فضلا عن نقص في مراقبة أقسام المطار بالفيديو والتي لا تسمح درجتها الحالية بأرشفة الصور الملتقطة من أجل استغلالها لاحقا.
و قال إن عمال الصيانة لم يتكونوا على الجيل الجديد من التجهيزات (LG HTDS)
و أن بعض شركات الطيران، مثل الخطوط الجوية الفرنسية، لم تعد تثق في إجراءات أمن مطار نواكشوط و باتت تقوم بتفتيش ثان للركاب عند سلم الطائرة،
وقال إن غياب تجهيزات تعمل بتقنية "VAPOR" يجعل من الممكن مرور المواد المنشطة دون اكتشاف، كما لن يكون من الممكن اكتشاف شخص يلف متفجرات داخل جسمه.
ورأى جوب أن منافذ المطار يمكن دخولها في أوقات العمل وخارجها وأن بوسع أي كان الانتقال من مقر "آسكنا" إلى عنبر الصيانة دون خوف من أن تسائله مصالح الأمن.
وقال إن تفتيشا للمنظمة الدولية للطيران المدني قد كشف، في مناسبتين، عن ثغرات أمنية عديدة في مطار نواكشوط ، داعيا الحكومة إلى العمل من أجل أن توازي إجراءات مطار نواكشوط الدولي مطارات دولة السنغال المجاورة والتي بوسعها اليوم القيام بالتفتيش في مطاراتها وفق معايير "FAA" الذي تتطلبه كافة الرحلات إلى داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد تمت هذه المقابلة قبل عام من قرار المنع مما يؤكد صحة قول "كالاس" أن لدى المفوضية الأوروبية أدلة على أن شركات النقل الجوي المحظورة فشلت سلطاتها التنظيمية في تطبيق معايير السلامة".
و قد تعودنا في هذا البلد على الحديث (حتى لا أقول المعاقبة) عن الاختلاسات من دون أن نفهم أن مثل هذا التقصير يكلف موريتانيا أضعاف ما تكلفها الرشوة و أكل المال العام، تماما مثل قضية محرك طائرة (فوكير 28) المؤجر. و قد تنامى إلى مسامعي خلال هذا التحقيق ما هو أخطر من هذا و ذاك بكثير حول الأسباب الحقيقية لسقوط طائرة تجكجة: فقد عادت إحدى الطائرات قبل ذلك بأيام قليلة من أطار بقيادة القبطان أوفى من دون أن تستطيع النزول بسبب سوء الأحوال الجوية (كانت علاقة الطيار سيئة مع المدير حينها) فاعتبر المدير ولد صيبوط أنها ردة فعل من الطيار كاد أن ينهي خدماته بسببها و بعد تدخل أطراف عديدة، تم الاتفاق على أن يعتذر الطيار رسميا و فعلها. و يقال (خلف الستار) إن الأحوال الجوية كانت غائمة يومها في تجكجة لكن ردة فعل المدير على زميلهما هي ما أرغمت القبطان سي و مساعده دياغانا على النزول في تلك الظروف تفاديا لمصير مماثل فكانت الكارثة!؟
إن استهتار المسؤولين في هذا البلد يتجاوز كل الخطوط الحمراء وكل حدود الصبر، لكن كل تجاوز يظل بمثابة أعلى درجات المسؤولية بالنسبة إلى استهتار سلطات هذا البلد التي عجز الجميع أن يراها يوما تعاقب على غير المواقف السياسية!؟؛ فكل التحقيقات حول شركة الخطوط الجوية الموريتانية لم تقدم حتى الآن إجابة واحدة مقنعة لأسباب إفلاس شركة حظيت بالمونوبول أكثر من نصف قرن ، تتمتع بكل الامتيازات بسبب نسبة الدولة فيها (40%) و لا تستطيع الأخيرة استغلالها بأي شكل بسبب نسبة المساهمين فيها (60%) .. ولا عن من يتحملون مسؤولية هذا الإفلاس الغريب.. و لا عن من يسأل عن عدم مساءلة المسؤولين عنه؟
لقد تعلمنا في هذا البلد أن "السلطة" هي وحدها المسؤولة عن كل فساد و هي من تعلمه للناس و تحرضهم عليه و تفتح لهم المجال لممارسته و تكافئهم عليه و تحميهم من كل عواقبه. و قد تختلف السلطات في اختيار مفسديها لكنها لا تختلف في النهج :
ـ عدم مساءلة من أفسدوا قبلها حتى لا تسن قانونا أو قاعدة تسمح لمن يأتي بعدها بمعاقبتها
ـ كل المفسدين يستقبلون أي مغتصب جديد للسلطة بالتصفيق و الزغاريد و المسيرات و الألعاب النارية و من العار على المنقذ الطيب أن يجرح مشاعر هذه الأفواج من المواطنين الطيبين المتعطشين إلى الحرية و العدالة و الديمقراطية!
ـ مفسدو موريتانيا أصبحوا قبيلة واحدة : يعيشون في منطقة واحدة ، يتزاوجون بينهم، يتوادون في الجيرة ، يتبادلون الهدايا مع حلول كل عام جديد، يرث أبناء المرأة فيهم من ستة أسر و يربطونها بستة أخرى في الحلال و عشرة في الحرام .. و في الرقاب ..
ـ كل سلطة جديدة تأتي بهدف نهب ممتلكات البلد بنوايا مبيتة مع الترصد و سبق الإصرار و ليس لها مصلحة في معاداة أي جهة نافذة تستطيع كشف أسرارها، و تستطيع الوصول يوما إلى السلطة من درجة أو أخرى ...
ـ نلاحظ أحيانا ـ حينما تأتي سلطة جديدة ـ أن أصحابها لا وقت لهم للنظر إلى الوراء؛ إن ما يهمهم هو كيف ينهبون بدورهم ما تبقى و كيف ينجون في المستقبل من العقاب. هذا ما فعل أسلافهم و عليهم تقفي آثارهم الطيبة بنفس الفلسفة : يجب أن لا يكون للعقوبة سابق وجود و لا سابق أثر و لا حتى سابق ذكر في أروقة الأنظمة الموريتانية.
لا يمكن وصف ما حدث للشهيدة الخطوط الجوية الموريتانية بالإفلاس و إنما هي عملية تدمير ممنهجة مع الترصد و سبق الإصرار و سوء النية و الاستهتار المبيت و العداء المعلن، من قبل جهات محمية و مأذونة تمت مكافأتهم واحدا واحدا حينها و ما زالوا يعيشون بيننا بكرامة مصانة و حرية مكفولة و أموال ضخمة يعرف الجميع من أين كانت لهم.
لا مجال للعقوبة في بلد الوساطة و المحسوبية و القبلية و الزبونية:
بتاريخ 12/01/2010 اعتقلت الفرقة المختلطة للدرك الوطني مدير الطيران بالوكالة الوطنية للطيران المدني (ANAC) با سيري، ومدير شركة الموريتانية لخدمات الطيران عبد الله ولد إبراهيم، للتحقيق معهما على خلفية احتجاز تراخيص (غير معتمدة) لعبور الأجواء الموريتانية وزعتها شركة ولد إبراهيم و قد شمل التحقيق المدير المساعد للوكالة الوطنية للطيران المدني في اليوم التالي، بعد اكتشاف ممثل وكالة أمن الملاحة الجوية في إفريقيا ومدغشقر (ASECNA) بمطار نواكشوط هبوط طائرات تحمل تراخيص غير التي تصدرها الوكالة الوطنية للطيران المدني، وهي الجهة الوحيدة المخولة حسب القانون الموريتاني بإصدار تراخيص عبور الأجواء الموريتانية التي كان مديرها العام السالك ولد محفوظ حينها في واغادوغو لحضور اجتماعات مجلس إدارة آسيكنا في العاصمة البوركينابية. انتهت القضية بعد يومين كأن شيئا لم يكن و لو كانت هذه القضية حصلت في إحدى البلدان المجاورة حتى لا نذهب بعيدا ـ لكان المسؤول عنها الآن في السجن.
و بعودة إلى حادثة تجكجة المؤلمة (فاتح يناير 1994) نجد أن لا حدود لاستهتار الإنسان في هذا البلد و لا حدود لتحايله و لا حدود لتقاضي الأنظمة عن جرائم المسؤولين إلى حد التواطؤ : تسع طائرة فوكير (Fokker F-28 Fellowship 4000) 79 راكبا و طاقمها يصل الثمانية (8) و لا تحسب مقاعد الأطفال الرضع (أقل من سنتين) الذي يرمز له في الكود العالمي للطيران بـ (CHD) بمعنى أن الطائرة تسع 79 راكبا و 79 طفلا رضيعا تحت عمر السنتين زيادة على طاقمها 8 أشخاص.
في حين كانت تحمل على متنها 93 راكبا لم ينج منهم إلا 13 أي بزيادة 6 أشخاص لم يثبت أنهم كانوا رضعا بسبب تضارب المعلومات المتعمد كما لم تكن إجراءات الأمان في المطار مستوفية إن لم نقل معدومة .
و حسب إحصائيات مجلة ( Airmieuws) المتخصصة العدد 297 (ص. 28) فقد كان حادث تجكجة الحادث رقم 28 لطائرة فوكير 28 (يخرجها من الخدمة) و أبشع حادث لطائرة فوكير 28 على الإطلاق و أبشع حادث طيران في موريتانيا.
و لا شك أن لهذه الأرقام القياسية معناها المرتبط عضويا بحالة الاستهتار المنتشرة في البلد على جميع الأصعدة.
يتبع