موضوع للنقاش

نافذة نفتحها للقراء لتقديم أفكار للنقاش، نأخذ في كل مرة إحداها و نطلب منهم المشاركة بأفكارهم حول موضوعها

تفاصيل إحدى أكبر فضائح الفساد في بلد الفوضى الأول

تابعونا على

إعلانات

المتواجدون حاليا

حاليا يتواجد 15 زوار  على الموقع


قصة قصيرة : وجه أحببته في لارناكا / سيدي محمد ولد جعفر

الخميس, 06 أكتوبر 2011 15:35

في ذلك اليوم البارد، حيث تعانق المزن شجر الصفصاف المتسق مد البصر، عبر أرصفة الشوارع النظيفة، والأبنية الفخمة، الجملية، المتراصة،والثلوج التي تجلل أغصان الشجر في نظام بديع، والنسيم اللطيف الذي يراقص الستور الداكنة البهية، التي تزين مدخل البهو الواسع، الذي بدت تدب إليه الحياة بعد ليلة لم تسمح فيها الثلوج للرذاذ أن يلامس أحياء المدينة الجميلة،في الجزيرة الجميلة.


وتعود الحياة إلى المدينة وتنساب المارة عبر الأرصفة الأنيقة رغم السحب الداكنة والسماء المكفهرة، وقطع الثلوج الصغيرة التي ترصع خصلات فاتنات قبرص،حيث يمتزج الدم التركي واليوناني، تتخللهما سحنة شرقية،تتجلى في العين والمعصم والأرداف والصوت الرخيم المتلعثم على الشفاه الباسمة التي توزع تحيات الصباح، بهدوء ورفق،تماما كالنسيم المتعرج عند مدخل البهو.
في هذا الصباح.. استلقيت على الأريكة الفارهه.. رتبت رابطة عنقي.. استرخيت..مددت رجلي برفق...شرد ذهني بعيدا...بقيت محدقا في الجدار..متوترا!!أرغب في كل شيء إلا الكلام..رغم مظهري الهادئ حيث أبدوا دبلوماسيا أكثر من أي شيء آخر..بجانبي شقراء جميلة جدا، شعرها ذهبي وعيناها زرقاوان ..قدها ممشوق ..عنقها طويل يتلاءلاء القرط المعلق به.. متأبطة حقيبة زاهية اللون.. وبمعصمها سلسلة صغيرة، وإلى جانيها كلب ناصع البياض، يغطيه الشعر حتى أخمصية، يبدو مهذبا إلى درجة أن الحسناء لم تبخل عليه بالقبلات في ذلك اليوم البارد والمكان الرومانسي الهادئ ..أجل لم تبخل عليه بالمداعبة والملامسة ،..أحسسته قريبا مني ..برفق خالسته النظر.. سحبت رجلي بهدوء حيث اعتقدت أن الرقيب لا يرى ..لم أثر أي انتباه ولا إزعاج،غير أن العينان الزرقاوان كانتا تلحظاني مسترقتين إلى النظر من حيث لا أدري ..تسمرت الحسناء ..بدت شاردة ..بعيدا ..وضعت معصمها الفضي تحت ذقنها ..بلكنة اسكندنافية وبنظرة ساخرة غير بريئة، وبغنة واثقة وبدون مقدمات قالت: رغم أنه من آكلات اللحوم إلا أنه ليس من النوع الذي عندكم فهو لا يأكل لحم البشر؟ انزعجت كثيرا وكدت اخرج عن الأصول ..شعرت برغبة جامحة للانتقام..رغم أني ضعيف عادة أمام الحسناوات!!بل بالكاد أستطيع إجابتهن ..مع ذلك امتلكت الشجاعة ورباطة الجأش ..فقلت أجل سيدتي إنهم لكذلك عندنا أما عندكم فالبشر هو الذي يأكل لحم البشر..  ؟؟وضعت نظاراتها وارتسمت ابتسامة عريضة على محياها وقالت بصوت رخيم هامس :كم أنت خبيث؟.
ساد الصمت ..ظللت مشدوها.. أتساءل عما يدور في ذهنها مع أني عادة خبير بقراءة أفكارهن بسرعة فائقة ..كما كنت اعتقد أن لدي قدرة على استدراجهن واختيار مكان وزمان ونوع حديث استعطافهن ..بقية صامتا مندهشا ..نظرتني من طرف خفي وقالت مناورة أو مغيرة لهجتها بمكر.. أكره هذه الجزيرة الجميلة..إنها وكر الأشرار القادمين من الشرق الأوسط،إنهم يحولون حياة الناس هنا إلى جحيم..تصور أهل الجزيرة لا يتمتعون بحياتهم كما ينبغي ..إنهم خائفون..رغم ما يبدو عليهم من الاطمئنان.. أجل إنهم ياخفون خوفا عميقا..هل سبق وأن زرت لارنكا أو على الأصح  نيقوسيا؟ لا. لا. إن فيها أشياء جميلة وجميلة جدا أترغب في التفسح؟؟
ارتفعت المزن رويدا.. رويدا، وتسلق الضباب الكثيف أذيال المزن، مبتعدا عن المباني الشامخة، وعاد قرص الشمس المثخن يوزع أشعة باهتة على الجدران وأغصان الشجر، محولا الثلوج إلى جداول تنساب شلالات زرقاء كصفحة السماء، وعاد شجر الصفصاف يوزع الظلال الوارفة كما توزع حسناوات قبرص الابتسامات الجميلة.. عادت أمواج المتوسط الخالدة تتكسر فوق الصخور البيضاء الناصعة على نغمات الأبد العابثة تحكي حكايات الماضين في صمت تام.
ترى كم من الفاتحين، والمهزومين، والمغامرين، والمطاردين، والقراصنة، شاهدوا هذه الصخور؟ وهذه الأمواج المتكسرة، والثلوج، والمروج ،والهضاب، والسفوح ،والجداول، والخلجان، والشلالات المتدفقة، وشاهدوا حسناوات قبرص، وعبثوا معهن واستمتعوا بالاستماع إلى غنتهن، وأبحروا في عيونهن الساحرات إلى المجهول وأودعوهن للزج الناصع فأروته عروقهن، فتفتق عن زهور وورود لهن طعم ولون كل تلك العجائن المختلفة الأبدية السرمدية ...ظللت سابحا بعيدا في أغوار تلك الصخور وتلك الأمواج الراقصة!! وظلت الشقراء مسمرة ترمقني دون أن تنبس بكلمة، غير أنها تعمدت قطع تفكيري ..مدت رجلها من تحت الطاولة ..رفستني برفق.. نعم جميلتي ؟ إنها أنا لا تخف. لعلك استمتعت بهذا الجو الدافئ؟ لا لا كيف؟ ولكن؟ قاطعتها شيئا أخر أكثر جمالا من هذا اليوم .. ومن هذه الجزيرة .. ومن الدنيا كلها .. الحياة؟؟ عفوا سيدي ؟ أتأذن لي بتناول قهوة؟ لوحدك؟ لا.. أنت موافق ؟ على شرط ! موافقة؟ أدفع أنا هذا مخالف للأصول؟ أنا عزمت وأنأ ادفع!! هكذا الأصول !!حلقنا كثيرا في سماء نيقوسيا ،وابتعدنا كثيرا عن لارنكا وأزيز الطائرات،هناك بعيدا وسط الغابات الجميلة، والمطاعم النظيفة، والشوارع الهادئة، والشلالات المتدفقة والمروج الخلابة،حجزت السويدية الشقراء موظفة حسابات بنك اسكندينافيا تورست.. في الزاوية اليمنى من مطعم الأميرات حيث على النادل أن يقطع خمسين مترا بهدوء حتى يصلنا هناك ...لوحدنا.. حيث لا تحتاج الأمواج المنسابة في تناغم مع زهور الحديقة ..سوى بوصلات حتى تعطر فستان الشقراء، أو حذاء ضيفها الأسمر الذي سرق مناخ الأبيض المتوسط سمرته فأصبح لونه فاقعا ..جاء النادل بكؤوس  تتلاءلاء، وزجاجة ملفوفة وباقة من الزهور عليها ورقة كتب فيها بخط جميل ..مطعم الأميرات يتمنى لكم شهية طيبة .. تقبلوا  هديتنا المتواضعة .. خفضت طرفها ..وشبكت أصابعها .. وقالت: سيدي أنا لا أتناول الكحول ..ماذا؟ أجل !رغم أن الاسكندينافيات مشهورات بمعاقرة الخمور، والسويديات أسرعهن وقوعا في المصيدة، تماما مثل الألمانيات.. هل فاجأتك ؟ نوعا ما.. يحدثوننا دائما بأن سكان المناطق الباردة لا يقلعون عن الخمور!!
خيم الهدوء على الجميع بالكاد تسمع خطى خفيفة أو حفيف ورق الشجر أو صليل الصحون أو خرير المياه الزرقاء ..في منتصف الليل كانت طائرة الجمبو الضخمة  تتدحرج رويدا.. رويدا ..تقدح إشارات الفراق الأبدي ويتحرك الجسم الكبير يمخر الجزيرة الجميلة تردد أجزاؤه عبارات الوداع الأخير ..وترتفع بعيدا عن المزن والضباب والثلوج والشفاه الحمر الباسمة، لينتبه الجميع على المضيفات يرددن السيمفونية المعهودة والمملة ..عبارة الفراق الأبدي ...الرجاء ربط الأحزمة فالطائرة في حالة إقلاع ..نرجو لكم رحلة ممتعة على متن خطوطنا ...            

 

عدد القراء:49



رمز الحماية
الرجاء كتابة الحروف الظاهرة في الصورة